سعيد حوي
575
الأساس في التفسير
إمرة طالوت . وفي التابوت ما يتباركون به . وهو آثار من موسى وهارون . ومجىء المعجزة في هذه الحال لا تبقي شكا لمؤمن أن الله هو الذي اصطفى طالوت وأن نبيهم صادق ، وأن طالوت يستأهل ما أقامه الله فيه . فالمفروض بعد هذا أن يكونوا على منتهى الطاعة والاندفاع في القتال . - وفي الآية الرابعة يبين الله عزّ وجل الظرف الذي وضع فيه طالوت قومه . عندما خرج بهم للقتال ، فالقتال يحتاج إلى انضباط . وفي فن الحرب يستحيل أن يكسب جيش لا انضباط فيه معركة . فكانت أول عملية قام بها طالوت - بأمر الله - هو اختبار انضباط هذا الجيش ، بقضية تخالف الأهواء . وهي أنه كلفهم حين مرورهم على نهر الشريعة - الذي يسمى الآن نهر الأردن - ألا يشربوا منه إلا في حدود الغرفة الواحدة ، فلم يلتزم بهذا الأمر إلا القليل . هذا القليل هو وحده الذي سمح له طالوت بتجاوز النهر . إذ هم المؤمنون حقا . والمطيعون حقا ، والراغبون في الجهاد حقا . فلما جاوزوا النهر ، رأوا قلتهم ، فلما رأوا قلتهم ظهرت فيهم الظاهرتان الموجودتان دائما في هذه الأحوال ، حتى عند أهل الإيمان . ظاهرة الذين يعطون الأسباب أكثر من حجمها ، فهؤلاء قالوا بأنهم لا يستطيعون أن يربحوا المعركة ضد جالوت وجنده ، والظاهرة الثانية ظاهرة المؤمنين المتوكلين ، الذين لا يغفلون الأسباب . ولكن يعطونها حجمها ، مع الثقة الكاملة بالله ، فهؤلاء قالوا بأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة إذا وجدت مشيئة الله . وقد وعد الله الصابرين بأن يكون معهم . فإذا صبرنا فنحن الغالبون . - وفي الآية الخامسة ، يصف الله عزّ وجل التقاء الجمعين . وحال أهل الإيمان بالافتقار إلى الله في تلك الساعة الحاسمة ، ودعائهم الله عزّ وجل أن يصبرهم ويثبت أقدامهم وينصرهم . وهذا منتهى الافتقار لله . حيث طلبوا منه الصبر ، والتثبيت ، والنصر . فلم يقولوا لله : علينا كذا ، وعليك كذا . بل طلبوا منه أن يعينهم على ما كلفهم ، وأن يعطيهم ثمرة ذلك . - وفي الآية السادسة بيان النتيجة . وهي النصر ، وقتل جالوت على يد داود الذي جمع الله له النسب والعلم ، والقوة الجسدية ، وآتاه الملك ، والحكمة بعد طالوت ، ثم ختمت الآية بالقاعدة التي تبين حكمة مشروعية القتال في الإسلام ، وهي أنه لولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض ، ويكف بذلك فسادا ، لغلب المفسدون وفسدت